الآلوسي
94
تفسير الآلوسي
بل قد تراعى عند نقله كيفيات ( وخصوصات ) ( 2 ) لم يراعها المتكلم أصلاً بل قد لا يقدر على مراعاتها . وجميع المقالات المحكية في الآيات من ذلك القبيل وإلا لما كان الكثير منها معجزاً ، وملاك الأمر في المطابقة مقام الحكاية وأما مقام المحكي فإن كان مقتضاه موافقاً لذلك وفي كل منهما حقه كما في السورتين وإلا لا كما فيما هنا " فليفهم . * ( قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) * . * ( قَالَ ) * استئناف كنظائره * ( فبمَا أَغْوَيْتَني ) * الفاء لترتيب مضمون الجملة التي بعد على الإنظار ، والباء إما للقسم أو للسببية ، و ( ما ) على التقديرين مصدرية ، والجار والمجرور متعلق بأقسم ؛ وقيل : إنه على تقدير السببية متعلق بما بعد اللام ، وفيه أن لها الصدر على الصحيح فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها ، وجوز بعضهم كون ( ما ) استفهامية لم يحذف ألفها وأن الجار متعلق بأغويتني ولا يخفى ضعفه . والإغواء خلق الغي وأصل الغي الفساد ومنه غوى الفصيل وغوى إذا بشم وفسدت معدته ، وجاء بمعنى الجهل من اعتقاد فاسد كما في قوله سبحانه : * ( ما ضلَّ صاحبكم وما غوى ) * ( النجم : ؟ ؟ ) وبمعنى الخيبة كما في قوله : فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً ومنه قوله تعالى : * ( وعصى آدم ربه فغوى ) * ( طه : 121 ) واستعمل بمعنى العذاب مجازاً بعلاقة السببية ومنه قوله تعالى : * ( فسوف يلقَون غيّاً ) * ( مريم : 59 ) . ولا مانع عند أهل السنة أن يراد بالإغواء هنا خلق الغي بمعنى الضلال أي بما أضللتني وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ونسبة الإغواء بهذا المعنى إلى الله عز وجل مما يقتضيه عموم قوله سبحانه : * ( خالق كل شيء ) * ( الأنعام : 102 ) والمعتزلة يأبون نسبة مثل ذلك إليه سبحانه وقالوا في هذا تارة : إنه قول الشيطان فليس بحجة ، وأولوه أخرى بأن الإغواء النسبة إلى الغي كأكفره إذا نسبه إلى الكفر أو إنه بمعنى إحداث سبب الغي وإيقاعه وهو الأمر بالسجود . وقال بعضهم : إن الغي هنا بمعنى الخيبة أي بما خيبته من رحمتك أو الهلاك أي بما أهلكته بلعنك إياه وطردك له ، والذي دعاهم إلى هذا كله عدم قولهم بأن الله تعالى خالق كل شيء وأنه سبحان لا خالق غيره ولم يكفهم ذلك حتى طعنوا بأهل السنة القائلين بذلك . وما الظن بطائفة ترضى لنفسها من خفايا الشرك بما لم يسبق به إبليس عليه اللعنة نعوذ بالله سبحانه وتعالى من التعرض لسخطه . نعم الإغواء بمعنى الترغيب بما فيه الغواية والأمر به كما هو مراد اللعين من قوله : * ( لأُغوينهم ) * ( ص : 82 ) مما لا يجوز من الله تعالى شأنه كما لا يخفى ، ثم إن كانت الباء للقسم يكون المقسم به صفة من صفات الأفعال وهو مما يقسم به في العرف وإن لم تجر الفقهاء به أحكام اليمين . ولعل القسم وقع من اللعين بهما جميعاً فحكى تارة قسمه بأحدهما وأخرى بالآخر ، وإن كانت سببية فالقسم بالعزة أي فبسبب إغوائك إياي لأجلهم أقسم بعزتك . * ( لأَقْعَدَنَّ لَهُمْ ) * أي لآدم عليه السلام وذريته ترصداً بهم كما يقعد القطاع للسابلة * ( صَرَاطَكَ الْمُسْتَقيمَ ) * الموصل إلى الجنة وهو الحق الذي فيه رضاك . أخرج أحمد والنسائي وابن حبان والطبراني والبيهقي في " شعب الإيمان " عن سبرة بن الفاكه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الشيطان قعد لابن آدم في طرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال أتسلم وتذر دينك ودين آبائك ؟ فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر وتذر أرضك وسمائك وإنما مثل المهاجر كالفرس في طوله ؟ فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال : هو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم